الشنقيطي
466
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفي صفة الإمام أحمد رحمه اللّه - عن الدنيا ما كان أصبره ، وبالماضين ما كان أشبهه ! أتته البدع فنفاها ، والدنيا فأباها . وهذه حال أئمة المتقين ، الذين وصفهم اللّه تعالى في كتابه بقوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) [ السجدة : 24 ] فبالصبر تترك الشهوات ، وباليقين تدفع الشبهات ، كما قال تعالى : وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ( 3 ) [ العصر : 3 ] ، وقوله تعالى : وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ ( 45 ) [ ص : 45 ] . وفي بعض المراسيل : « إن اللّه يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات . فقوله تعالى : فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ [ التوبة : 69 ] إشارة إلى اتباع الشهوات ، وهوداء العصاة . وقوله : وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا [ التوبة : 69 ] إشارة إلى الشبهات ، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات ، وكثيرا ما يجتمعان . فقل من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله . والمقصود أن اللّه أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم ، ويخوض كخوضهم ، وأن لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم ، ثم حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال : أَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 70 ) [ التوبة : 70 ] فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لما علق عليه من الحكم ، وأن الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب وأكده كما تقدم بضرب من الأولى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد ، فإذا لم يتعذر على اللّه عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه ؛ ومنه قوله تعالى : وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ ( 133 ) [ الأنعام : 133 ] . فهذا قياس جلي ، يقول سبحانه : إن شئت أذهبتكم واستخلفت غيركم ، كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم ، بذكر أركان القياس الأربعة : علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها ، والحكم وهو إذهابه إياهم وإتيانه بغيرهم ، والأصل وهو ما كان من قبل والفرع وهم المخاطبون ، ومنه قوله تعالى : بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ( 39 ) [ يونس : 39 ] فأخبر أن من قبل المكذبين أصل يعتبر به ، والفرع نفوسهم ؛ فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة ، ومنه قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا ( 15 ) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا ( 16 ) [ المزمل : 15 - 16 ] فأخبر سبحانه أنه أرسل موسى إلى فرعون ، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذا وبيلا ؛ فهكذا من عصى منكم محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم . وهذا في القرآن كثير جدا فقد فتح لك بابه .